محمود ماضي
78
الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده
الخارق للعادة يجريه اللّه تعالى على يديه وهنا نبين اكتمال هذا الشرط وتحققه في دعوة نبينا « صلّى اللّه عليه وسلّم » وندلل عليه بوجوه : أحدها : أن محمدا « صلّى اللّه عليه وسلّم » ظهر القرآن عليه ، والقرآن - معجزته الكبرى - كما اتضح لنا من قبل - كتاب شريف بالغ في فصاحة اللفظ وفي كثرة العلوم . . . علوم الأخلاق وعلوم السياسات وعلم تصفية الباطن وعلم أحوال القرون الماضية . ثانيها : أن محمدا « صلّى اللّه عليه وسلّم » تحدى العالمين بمعارضة القرآن وقرعهم بالعجز عن الإتيان بمثله فلم يأتوا به لا لوجه سوى عجزهم وقصورهم عن الإتيان بمثله فضلا عن أن القرآن الذي أوحى إليه موجود محفوظ ينطوى على وجوه من الإعجاز لا تنحصر ، أبدا عن جوانب منها . وإذا كان « سبيل تعريف اللّه تعالى عباده صدق الرسل بالآيات الخارقة للعادة كسبيل تعريفه إياهم الصفات الإلهية بالآيات الدالة عليها . . . ( فكما ) علم آدم الأسماء كلها ثم عرضها على الملائكة ، وكما علم المصطفى القرآن وقال فأتوا بسورة من مثله فكما عجزت الملائكة عن معارضة آدم بالأسماء عجزت العرب والعجم عن معارضة المصطفى بآيات القرآن . ودلت الآيات على صدق النبي الأول والنبي الآخر ولما ثبت صدق الأول كان مبشرا بمن بعده إلى الآخر ولما ثبت صدق الآخر كان هو مصدقا لمن قبله إلى الأول « 1 » . والذي يدل على صدق محمد أيضا أن اليهود لا ينازعون « في أن اللّه تعالى أنزل التوراة على موسى - عليه السلام - وجعل هذا الكتاب إماما يقتدى به ، ثم أن التوراة مشتمل على البشارة - كما سنبين ذلك بعد - بمقدم محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » لذلك نقول لهم : « . . . فإذا سلمتم كون التوراة إماما يقتدى به فاقبلوا حكمه في كون محمدا « صلّى اللّه عليه وسلّم » حقّا من اللّه » « 2 » . أثبتنا في غير هذا المكان أن المعجزات براهين من اللّه تعالى إلى عباده بصدق رسله وأنبيائه ، فإذا « ظهر على مدعى النبوة من فعل اللّه تعالى ما ينقض العادة عند دعوى المدعى رسالة وكان الذي ظهر مطابقا لدعواه . . . علم بذلك أنه تعالى قصد بذلك تصديقه في دعواه وصار إظهاره لذلك مطابقا لدعواه بمنزلة قول الله : صدق ؛ هو رسولي إليكم فلما ادعى محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » النبوة وجاء بالقرآن خارقا عادة العرب في الفصاحة
--> ( 1 ) - الشهرستاني : الملل والنحل ج 1 ص 109 بهامش الفصل لابن حزم . ( 2 ) - الرازي : التفسير الكبير ج 28 ص 12 .